
في ظل الانقسام الحاد والواسع الذي كشفت عنه حرب الخامس عشر من أبريل، وما نتج عنه من انكشاف ضعف البنيانين السياسي والنقابي، لم يعد بوسع أي طرف في المشهد أن يدّعي امتلاكنا لمنظومات مجتمع مدني حقيقية، أو أن الانهيار المؤسسي مقتصر على مرفق دون آخر. وإذ بدت الحرب حتمية الوقوع، وفشل جميع الأطراف في تقديم التنازلات الكفيلة بمنع اندلاعها أو احتواء تداعياتها في ساعاتها الأولى، بل وساند بعضهم جهود إطالة أمدها، فإن ذلك قد عرّى واقعنا أمام الأمم والشعوب، وفتح الباب واسعاً أمام الآخرين لاستثمار هذه الفضيحة التي نسفت تاريخنا وادعاءاتنا.
يعتقد كثيرون أن الحرب ستنتهي بمجرد جلوس قائد القوات المسلحة مع قائد قوات الدعم السريع، سواء في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة. غير أن الحقيقة، وللتاريخ، أن هذه الحرب لن تتوقف ما لم يجلس المتشاكسون من المدنيين أولاً، وقبل العسكريين. فالانقسام المدني – المدني العميق هو الذي مزق جسد الوطن، وهو ما أغرى وسيغري العسكريين لخلق الحواضن والاستثمار في خلافاتها.
من أبجديات التفاوض لوقف أي نوع من أنواع النزاعات السليمة أو المسلحة، أن الجلوس للحوار، في الأصل، يكون بين المختلفين والمتنازعين وذلك سعياً للحلول الودية بدلاً عن استمرار العنف وأسبابه. في ظل ظروف الحرب، وواقع العمل النقابي، تبدو الوسيلة الوحيدة والمتاحة أمام الطليعة المثقفة لوقف الحرب وتسوية خلافاتها سلمياً، أن تُجري تحكيماً حول آليات إدارة النقابات والاتحادات المهنية. إذا نجح المحامون أو رجال وسيدات الأعمال في إنجاز هذه الخطوة، فإن بقية النقابات والاتحادات المهنية ستجاريهم.
الخرطوم 22 أغسطس 2025



